همسة خواطر (2)

حين يُنهي الألم درسه وتبدأ الحياة وعْيًا

حين يُنهي الألم درسه وتبدأ الحياة وعْيًا
الصورة تعبّر عن مرحلة ما بعد الألم، حين يتحوّل الوجع إلى وعيٍ ونضج، ويرى الإنسان النور من قلب الظلمة.

في زوايا الألم تختبئ أعظم الدروس لكننا في لحظة الوجع نُغلق أعيننا ونشدُّ على قلوبنا كأن الهروب خلاص وكأن التجاهل شفاء وكم خُدعنا حين ظننا أن الألم سيزول بمجرد أن نصرف عنه أبصارنا وكم أضعنا من سنواتٍ نُطارد فيها راحةً كاذبة، لأننا لم نُصغِ إلى ما كان الألم يُريد أن يقوله لنا.
  • هل جرّبت يومًا أن تجلس أمام ألمك؟
  • دون أن تكرهه دون أن تُنكره دون أن تلوم نفسك؟
  • هل قلت له: تكلّم أنا أُصغي الآن؟

لألم لا يأتي ليُعذّبنا

بل ليكشف ما لم نُشفه ليهزّ الغبار عن أرفف القلب ويُعيد ترتيب فوضى الداخلحين كنت أهرب من أوجاعي كنت أهرب من نفسي وحين كنت أبرّر انكساراتي بالناس والظروف كنت أُقصي روحي من معركة الوعي لكنّ اللحظة التي نظرتُ فيها إلى مرآة الألم بصدق هي ذاتها اللحظة التي بدأتُ أُشفى فيها لا منه بل منّي.
نعم كنتُ أحتاج أن أستيقظ أن أُعيد فهم ما جرى لا كضحية بل كمُتعلّمة فمن اختارني ذات محبة ثم خذلني لم يكن لعنة ومن جرحني بكلمة أو غادرني بصمت أو كسرني وهو يبتسم لم يكن النهاية بل كانوا جميعًا رسائل كُتبت بلغة الوجع لعلّي أقرأ نفسي الحياة لا تُخطئ وما من شيء يحدث عبثًا حتى الألم حين يزورنا فهو لا يجيء فارغًا بل محمّلاً بإشارات بوصايا بمرآة لا نجرؤ على الوقوف أمامها إلا حين نُرهق من كل الطرق المسدودة.

أتعلم متى بدأتُ أعيش؟

حين توقفت عن الانتظار انتظر اعتذار أو تفسير أو عودة أو احتواء توقفت عن انتزاع الحياة من يد الآخرين وبدأت أُعيدها إلى قلبي.
فالوعي هو أن ترى الحياة كما هي لا كما تتمنّى هو أن تحب بصدق دون أن تُطفئ ذاتك أن تُسامح دون أن تُبرّر الإساءة أن تُغادر دون أن تحمل الحقد في قلبك إننا لا نحتاج أن نصير أقوياء لنعيش بل أن نصير صادقين مع أنفسنا وكم من مرةٍ لبستُ قناع القوة وأنا أُخفي وجعًا لا يُحتمل وكم من ليلةٍ أغمضتُ فيها عيني لا طلبًا للنوم  بل هربًا من سؤالٍ مؤلم.

هل أنا حقًا بخير؟

ذلك السؤال الذي نخاف أن نطرحه على أنفسنا لأنه يكشف هشاشتنا لكنني تعلّمت أن الصدق مع الذات لا يُضعف بل يُحرّر فلا بأس أن نبكي لا بأس أن ننهارلكن لا نُكابر على ما نحتاجه ولا نُخفي جراحنا خوفًا من أن يُقال إننا فشلنا الفشل الحقيقي هو أن نعيش بلا وعي أن نُكرّر نفس الأخطاء ونُعلّقها على شماعة القدر أن نُطارد رضا الآخرين وننسى أن نُرضي أنفسنا اليوم كلما عاد الألم لا أطرده بل أُصغي.

 ماذا جئتَ تعلّمني هذه المرة؟

فربما جئتَ لتقول لي إنني تجاوزتُ حدودي أو إن قلبي يحتاج أن يُعيد ترميم ثقته أو إن هناك شيئًا بداخلي ما زال يصرخ ولم أسمعه بعد وحين أُصغي أرتاح لا لأن الألم انتهى بل لأنني توقفتُ عن الهروب الحياة الطيبة لا تأتي صدفة ولا تُهدى كهدية بل تُصنع بالوعي بالصبر وبالاختيارواليوم أختار أن أعيش وعْيًا لا انتظارًا أختار أن أُحب ذاتي أن أحتضن ضعفي أن أُقدّر نجاتي وأن أُؤمن أن ما عشته لم يكن عبثًا بل كان طريقًا طريقًا مرّ بالصمت وبالخذلان وبالدموع لكنه قادني إلى سلامٍ لا يُشبه أحدًا.
  • وأنت هل جلستَ مع ألمك يومًا؟
  • هل سألته ماذا تُريد أن تقول لي؟
  • وهل كنتَ صادقًا حين أجابك؟
الكاتبة ساره  سالم الغامدي
بواسطة : الكاتبة ساره سالم الغامدي
كاتبة وناشطة في التوعية الاجتماعية بمجال الادمان وصانعة محتوى
تعليقات

    أكتب لأنني أعرف ثِقل الطريق حين يطول…
    ولأن التعافي لا يأتي دفعة واحدة.

    إن لامس هذا المقال قلبك، فربما كُتب لك.
    شارك مع من تحب واترك تعليقًا يليق بك.